محمد الغزالي

180

خلق المسلم

العالي لضروب الخدمات العامة ، التي يحتاج إليها المجتمع لإرساء أركانه وصيانة بنيانه . لقد آثر ابن عباس أن يدع اعتكافه . والاعتكاف عبادة محضة رفيعة الدرجة عند اللّه لأنها استغراق في الصلاة والصيام والذكر ، ثم هو في مسجد رسول اللّه ، حيث يضاعف الأجر ألف مرة فوق المساجد الأخرى . ومع ذلك فإن فقه ابن عباس في الإسلام جعله يدع ذلك ليقدّم خدمة إلى مسلم يطلب العون : هكذا تعلّم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . * * * إن أعباء الدنيا جسام ، والمتاعب تنزل بالناس كما يهطل المطر فيغمر الخصب والجدب . والإنسان وحده أضعف من أن يقف طويلا تجاه هذه الشدائد . ولئن وقف إنه لباذل من الجهد ما كان في غنى عنه لو أن إخوانه هرعوا لنجدته وظاهروه في إنجاح قصده ؛ وقد قيل : « المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه » . ومن حق الأخوة أن يشعر المسلم بأن إخوانه ظهير له في السرّاء والضرّاء وأن قوته لا تتحرك في الحياة وحدها . بل إن قوى المؤمنين تساندها وتشد أزرها . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » « 1 » . ومن ثمّ كانت الأخوة الخالصة نعمة مضاعفة ، لا نعمة التجانس الروحي فحسب ، بل نعمة التعاون المادي كذلك . وقد كرر اللّه عزّ وجلّ ذكر هذه النعمة مرة ومرة في آية واحدة : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً « 2 » . وأخوة الدين تفرض التناصر بين المسلمين ، لا تناصر العصبيات

--> ( 1 ) البخاري . ( 2 ) آل عمران : 103 .